الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
60
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الأثناء بقوله : يَوْمَئِذٍ الذي هو يوم ترجف الراجفة فحصلت عناية عظيمة بهذا الخبر . والرجف : الاضطراب والاهتزاز وفعله من باب نصر . وظاهر كلام أهل اللغة أنه فعل قاصر ولم أر من قال : إنه يستعمل متعديا ، فلذلك يجوز أن يكون إسناد تَرْجُفُ إلى الرَّاجِفَةُ حقيقيا ، فالمراد ب الرَّاجِفَةُ : الأرض لأنها تضطرب وتهتزّ بالزلازل التي تحصل عند فناء العالم الدنيوي والمصير إلى العالم الأخروي قال تعالى : يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ [ المزمل : 14 ] وقال : إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا [ الواقعة : 4 ] وتأنيث الرَّاجِفَةُ لأنها الأرض ، وحينئذ فمعنى تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ أن رجفة أخرى تتبع الرجفة السابقة لأن صفة الرَّاجِفَةُ تقتضي وقوع رجفة ، فالرادفة رجفة ثانية تتبع الرجفة الأولى . ويجوز أن يكون إسناد تَرْجُفُ إلى الرَّاجِفَةُ مجازا عقليا ، أطلق الرَّاجِفَةُ على سبب الرجف . فالمراد ب الرَّاجِفَةُ الصيحة والزلزلة التي ترجف الأرض بسببها جعلت هي الراجفة مبالغة كقولهم : عيشة راضية ، وهذا هو المناسب لقوله : تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ أي تتبع تلك الراجفة ، أي مسبّبة الرجف رادفة ، أي واقعة بعدها . ويجوز أن يكون الرجف مستعارا لشدة الصوت فشبه الصوت الشديد بالرجف وهو التزلزل . وتأنيث الرَّاجِفَةُ على هذا لتأويلها بالواقعة أو الحادثة . و تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ : التالية ، يقال : ردف بمعنى تبع ، والرديف : التابع لغيره ، قال تعالى : أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ « 1 » [ الأنفال : 9 ] ، أي تتبع الرجفة الأولى ، ثانية ، فالمراد : رادفة من جنسها وهما النفختان اللتان في قوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [ الزمر : 68 ] . وجملة تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ حال من الرَّاجِفَةُ وتنكير قُلُوبٌ للتكثير ، أي قلوب كثيرة ولذلك وقع مبتدأ وهو نكرة لإرادة النوعية .
--> ( 1 ) في المطبوعة : « يمددكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة مردفين » .